أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
218
العقد الفريد
قلت : ذهب الملك عنا وقل أنصارنا فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا . قال : فأطرق مليا وجعل يقلب يده وينكت الأرض ويقول عبيدنا وأتباعنا ، وقوم دخلوا في ديننا ، وزال الملك عنا ! ! يردده مرارا ، ثم قال : ليس ذلك كذلك : بل أنتم قوم قد استحللتم ما حرم اللّه ، وركبتم ما نهاكم عنه وظلمتم من ملكتم ، فسلبكم اللّه العز ، وألبسكم الذل بذنوبكم ، وللّه فيكم نقمة لم تبلغ غايتها ؛ وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فيصيبني معكم ، وإنما الضيافة ثلاثة أيام ، فتزوّدوا ما احتجتم وارتحلوا عن بلدي . أخبار الدولة العباسية الهيثم بن عدي قال : حدثني عيّاش قال : حدثني بكير أبو هاشم مولى مسلمة قال : لم يزل لبني هاشم بيعة سرّ ودعوة باطنة منذ قتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، ولم نزل نسمع بخروج الرايات السود من خراسان وزوال ملك بني أمية ، حتى صار ذلك . وقيل لبعض بني أمية : ما كان سبب زوال ملككم ؟ قال : اختلاف فيما بيننا واجتماع المختلفين علينا ! الهيثم بن عدي قال : حدثني غير واحد ممن أدركت من المشايخ أن عليّ بن أبي طالب أصار الأمر إلى الحسن ، فأصاره الحسن إلى معاوية ، وكره ذلك الحسين ومحمد ابن الحنفية . فلما قتل الحسين بن عليّ صار أمر الشيعة إلى محمد بن الحنفية . وقال بعضهم : إلى عليّ بن الحسين ، ثم إلى محمد بن علي ثم إلى جعفر بن محمد . والذي عليه الأكثر أن محمد بن الحنفية أوصى إلى أبي هاشم ابنه : عبد اللّه بن محمد بن الحنفية ، ولم يزل قائما بأمر الشيعة يأتونه ويقوم بأمرهم ويؤدّون إليه الخراج حتى استخلف سليمان ابن عبد الملك ، فأتاه وافدا ومعه عدة من الشيعة ، فلما كلمه سليمان قال : ما كلمت قط قرشيا يشبه هذا ؛ وما نظن الذي كنا نحدّث عنه إلا حقا ! فأجازه وقضى حوائجه وحوائج من معه . ثم شخص وهو يريد فلسطين ، فلما كان ببلاد لخم وجذام ، ضربوا